عبد الملك الجويني
62
نهاية المطلب في دراية المذهب
البائن ، والبتة ( 1 ) ، والبَتْلَة ( 2 ) ، والخليّة ، في لسان العرب فإذا خصّصها الشافعي بالإلحاق وبالصرائح ، أشعر هذا برجوعه إلى مورد الشرع . وهذا يتطرق إليه نوعان من النظر : أحدهما - أنا لا نُبعد شيوع الفراق والسراح في العرب في بلادها ، وهذا فيه بعض النظر ، فإن الشافعي تعلق بالقرآن . والوجه الآخر من النظر - أنه ليس في إلحاق الفراق والسراح بالصّرائح ما ينفي التعلق بالإشاعة ؛ إذ لا يمتنع أن يقول القائل : للصرائح مأخذان : أحدهما - الجريان في ألفاظ الشرع . والثاني - الشيوع في الاستعمال ، كما سبق تفسيره . وفي [ النفس ] ( 3 ) شيء من الفراق والسراح ؛ فإنه لم يظهر لنا من الخطاب قصد بيان لفظ التسريح والمفارقة ، ولكن جرى معنى ترك النسوة وحل ربقة النكاح في مقابلة ذكر الإمساك ، فإنه قال : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } [ البقرة : 229 ] ففهم المخاطبون أن الزوج مأمور بأن يمسك المرأة أو يخلّي سبيلها ، فالغرض الذي سيق الخطاب له ترديد الزوج بين هذين المقصودين ، وليس من الغرض الظاهر أن يقول لها : سرحتك ، وهو بمثابة قول القائل : أكرم هذا السائل ، أو سرحه . ليس المراد بهذا : قُلْ له : انسرح . وكذلك القول في فارقوهن . وأما الطلاق ، فقد اشتملت الآي على الاعتناء بألفاظها وعددها ، ويقوى على هذا المسلكِ القولُ القديمُ الموافق لمذهب أبي حنيفة في حصر الصريح في لفظ الطلاق . وتحصَّل من مجموع ما ذكرناه تردّدُ الأصحاب في مأخذ الصريح ، كما أوضحناه . 8978 - وحكى القاضي عن شيخه القفال أنه كان يقول في لفظ التحريم : إذا قال الرجل : حلال الله عليّ حرام ، ونوى طعاماً صُدّق ، وإن أطلقه وكان أَنِساً بالفقه عالماً
--> ( 1 ) البتة : من البت والقطع ، فقوله لامرأته : أنث بتة أي مقطوعة ، وبتّ طلاق امرأته أي طلقها طلاقاً لا رجعة فيه ( المعجم والمصباح ) . ( 2 ) البتْلة : من البَتْل وهو القطع : بَتَله بتلاً : قطعه ، ويمين بَتْلة : قاطعة ، وصدقة بَتْلة : منقطعة عن صاحبها خالصة لوجه الله . ( المعجم ) ، فالمعنى هنا " أنت بتلة " أي مقطوعة العقد والصلة . ( 3 ) في الأصل : " التفسير " وهو تصحيف واضح .